قصة نوح عليه السلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

default قصة نوح عليه السلام

مُساهمة من طرف Abdel Mohsen في الجمعة يناير 22, 2010 6:51 am

:: نص الموضوع :


كان نوح تقيا صادقا أرسله‎ ‎الله ليهدي قومه وينذرهم عذاب الآخرة ولكنهم عصوه وكذبوه، ‏ومع ذلك استمر يدعوهم إلى‎ ‎الدين الحنيف فاتبعه قليل من الناس، واستمر الكفرة في ‏طغيانهم فمنع الله عنهم المطر‎ ‎ودعاهم نوح أن يؤمنوا حتى يرفع الله عنهم العذاب فآمنوا ‏فرفع الله عنهم العذاب‎ ‎ولكنهم رجعوا إلى كفرهم، وأخذ يدعوهم 950 سنة ثم أمره الله ببناء ‏السفينة وأن يأخذ‎ ‎معه زوجا من كل نوع ثم جاء الطوفان فأغرقهم أجمعين‎.‎


قبل أن يولد قوم نوح عاش خمسة رجال صالحين من أجداد قوم نوح، عاشوا زمنا ثم‎ ‎ماتوا، ‏كانت أسماء الرجال الخمسة هي: (ودَّ، سُواع، يغوث، يعوق، نسرا). بعد موتهم‎ ‎صنع الناس ‏لهم تماثيل في مجال الذكرى والتكريم، ومضى الوقت.. ومات الذين نحتوا‎ ‎التماثيل.. وجاء ‏أبنائهم.. ومات الأبناء وجاء أبناء الأبناء.. ثم نسجت قصصا وحكايات‎ ‎حول التماثيل تعزو لها قوة ‏خاصة.. واستغل إبليس فرصته وهي تمر إلى جواره، وأوهم‎ ‎الناس أن هذه تماثيل آلهة تملك ‏النفع وتقدر على الضرر.. وبدأ الناس يعبدون هذه‎ ‎التماثيل‎.‎

من الأمور المعروفة لدينا أنه عندما يستبدل الإنسان عبادته لله بعبادة شيء آخر،‎ ‎ينتكس ‏العقل البشري، ويتبع ذلك أن يزيد ظلم الظالمين وذل المظلومين، كما يزيد فقر‎ ‎الفقراء وغنى ‏الأغنياء.. ويتحول الوجود الإنساني كله إلى جحيم لا يحتمل‎.

ينطبق هذا القانون دائما عندما يعبد الناس غير الله.. سواء أكان المعبود‎ ‎صنما من الحجارة، ‏أم عجلا من الذهب، أم حاكما من الناس، أم نظاما من الأنظمة، أم‎ ‎مذهبا من المذاهب، أم ‏قبر ولي من الأولياء. ذلك أن الضمان الوحيد للمساواة بين‎ ‎البشر يكمن في عبوديتهم جميعا ‏لله، وكون الله هو خالقهم والمشرع لهم.. فإذا ضاع هذا‎ ‎الضمان، وادعى أحد من الناس، أو ‏زعم أحد الأنظمة لنفسه حق الألوهية، فقد ضاع الناس‎ ‎وضاعت حرياتهم تماما‎.

وليست عبادة غير الله مأساة تتمثل في ضياع الحرية‎ ‎وحدها، وإنما يمتد أثرها الخطير إلى ‏عقل الإنسان فيلوثه وينكس أعلامه ويدمره. ذلك‎ ‎أن الله تعالى خلق الإنسان ليعرف، وجعل ‏عقله جوهرة هدفها العلم.. وأخطر علم هو‎ ‎العلم بأن الله وحده هو الخالق وما سواه عبيد. ‏هذه نقطة بدء لا بد منها لتحقيق‎ ‎الخلافة بنجاح‎.

وعندما يهدر العقل البشري إمكانياته، وينصرف لغير الله، لا‎ ‎يعود هناك خطأ يتوقف عنده ‏العقل البشري، أو يراجع نفسه فيه.. وقد يحدث أن يتقدم‎ ‎الإنسان ماديا بسبب أخذه بأسباب ‏التقدم رغم عدم إيمانه، ولكن هذا التقدم المادي‎ ‎الذي لا يخلو من معرفة الله، يكون عذابا ‏أعظم من أي عذاب، لأنه ينتهي بتحطيم‎ ‎الإنسان لنفسه.. وعندما يعبد الناس غير الله تعالى، ‏يزداد بؤس الحياة وفقر الناس‎.. ‎هناك علاقة وثيقة بين ذل الناس، وفقرهم وعدم إيمانهم ‏بالله وعدم تقواهم. يقول الله‎ ‎تعالى في سورة (الأعراف‎):

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ‏‎ ‎وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَـكِن‎ ‎كَذَّبُواْ ‏فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ‎

وهكذا يؤدي الكفر‎ ‎بالله أو الشرك به إلى ذهاب الحرية، وتحطيم العقل، وزيادة الفقر، وخلو ‏الحياة من‎ ‎هدف نبيل. وفي هذا الجو أظهر الله تعالى نوحا وبعثه برسالته إلى قومه‎.

كان‎ ‎نوح بمقياس العظمة أعظم إنسان في عصره. لم يكن ملكا في قومه، ولا رئيسا عليهم، ‏ولا‎ ‎أغنى واحد فيهم. فالعظمة الحقيقة ليست في لاملك أو الرئاسة أو الغنى مكا يعتقد‎ ‎البعض الآن. إنما توجد العظمة في خضوع القلب لله ونقاءه، وطهارة الضمير، وقيمة‎ ‎الأفكار ‏التي يحملها العقل، وقدرة هذا العقل على تغيير الحياة حوله. وكان نوح هذا‎ ‎كله وأكثر‎.

كان على الفطرة مؤمنا بالله تعالى. قبل بعثته إلى الناس، وكل‎ ‎الأنبياء مؤمنون بالله تعالى ‏قبل بعثتهم. وهناك سبب آخر لعظمة نوح. كان إذا استيقظ‎ ‎أو نام أو شرب أو أكل أو لبس ‏ملابسه أو خرج أو دخل، يشكر الله ويحمده، ويذكر نعمته‎ ‎عليه، ويعاود الشكر، ولهذا قال الله ‏تعالى عن نوح‎:

إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا‎ ‎شَكُورًا‎

اختار الله عبده الشاكر وأرسله نبيا إلى قومه. وخرج نوح على قومه‎ ‎فبدأ دعوته‏‎:

يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ‎ ‎غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‎

بهذه الجملة‎ ‎الموجزة وضع نوح قومه أمام حقيقة الألوهية.. وحقيقة البعث. هناك إله خالق ‏وهو وحده‎ ‎الذي يستحق العبادة.. وهناك موت ثم بعث ثم يوم للقيامة. يوم عظيم، فيه عذاب ‏يوم‎ ‎عظيم‎.

شرح "نوح" لقومه أنه يستحيل أن يكون هناك غير إله واحد هو الخالق‎. ‎أفهمهم أن الشيطان ‏قد خدعهم زمنا طويلا، وأن الوقت قد جاء ليتوقف هذا الخداع، حدثهم‎ ‎نوح عن تكريم الله ‏للإنسان. كيف خلقه، ومنحه الرزق وأعطاه نعمة العقل، وليست عبادة‎ ‎الأصنام غير ظلم ‏خانق للعقل‎.

تحرك قوم نوح في اتجاهين بعد دعوته. لمست‎ ‎الدعوة قلوب الضعفاء والفقراء والبؤساء، ‏وانحنت على جراحهم وآلامهم بالرحمة.. أما‎ ‎الأغنياء والأقوياء والكبراء، تأملوا الدعوة بعين ‏الشك البارد… ولما كانوا يستفيدون‎ ‎من بقاء الأوضاع على ما هي عليه.. فقد بدءوا حربهم ‏ضد نوح‎.

في البداية‎ ‎اتهموا نوحا بأنه بشر مثلهم‎:

فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن‎ ‎قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا‎

قال تفسير القرطبي: الملأ‎ ‎الذين كفروا من قومه هم الرؤساء الذين كانوا في قومه. يسمون ‏الملأ لأنهم مليئون بما‎ ‎يقولون‎.

قال هؤلاء الملأ لنوح: أنت بشر يا نوح‎.

رغم أن نوحا لم يقل‎ ‎غير ذلك، وأكد أنه مجرد بشر.. والله يرسل إلى الأرض رسولا من البشر، ‏لأن الأرض‎ ‎يسكنها البشر، ولو كانت الأرض تسكنها الملائكة لأرسل الله رسولا من الملائكة‎.. ‎استمرت الحرب بين الكافرين ونوح‎.


في البداية، تصور الكفرة يومها أن دعوة نوح لا تلبث أن تنطفئ وحدها، فلما وجدوا‎ ‎الدعوة ‏تجتذب الفقراء والضعفاء وأهل الصناعات البسيطة بدءوا الهجوم على نوح من هذه‎ ‎الناحية. ‏هاجموه في اتباعه، وقالوا له: لم يتبعك غير الفقراء والضعفاء والأراذل‎.

قال تعالى في سورة (هود‎):

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى‎ ‎قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (25) أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ‎ ‎إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ ‏عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلأُ‎ ‎الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا‎ ‎نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ ‏الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا‎ ‎نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ‎

هكذا اندلع‎ ‎الصراع بين نوح ورؤساء قومه. ولجأ الذين كفروا إلى المساومة. قالوا لنوح: ‏اسمع يا‎ ‎نوح. إذا أردت أن نؤمن لك فاطرد الذين آمنوا بك. إنهم ضعفاء وفقراء، ونحن سادة‎ ‎القوم وأغنياؤهم.. ويستحيل أن تضمنا دعوة واحدة مع هؤلاء‎.

واستمع نوح إلى‎ ‎كفار قومه وأدرك أنهم يعاندون، ورغم ذلك كان طيبا في رده. أفهم قومه ‏أنه لا يستطيع‎ ‎أن يطرد المؤمنين، لأنهم أولا ليسوا ضيوفه، إنما هم ضيوف الله.. وليست ‏الرحمة بيته‎ ‎الذي يدخل فيه من يشاء أو يطرد منه من يشاء، إنما الرحمة بيت الله الذي ‏يستقبل فيه‎ ‎من يشاء. قال تعالى في سورة (هود‎):

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن‎ ‎كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ‎ ‎عَلَيْكُمْ ‏أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَا قَوْمِ لا‎ ‎أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَآ أَنَاْ‎ ‎بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ‎ ‎قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ‏اللّهِ إِن‎ ‎طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (30) وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ‎ ‎اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ ‏إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ‎ ‎لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا اللّهُ‎ ‎أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي ‏إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ‎

كان‎ ‎نوح يناقش كل حجج الكافرين بمنطق الأنبياء الكريم الوجيه. وهو منطق الفكر الذي ‏يجرد‎ ‎نفسه من الكبرياء الشخصي وهوى المصالح الخاصة‎.

قال لهم إن الله قد آتاه‎ ‎الرسالة والنبوة والرحمة. ولم يروا هم ما آتاه الله، وهو بالتالي لا ‏يجبرهم على‎ ‎الإيمان برسالته وهم كارهون. إن كلمة لا إله إلا الله لا تفرض على أحد من ‏البشر‎. ‎أفهمهم أنه لا يطلب منهم مقابلا لدعوته، لا يطلب منهم مالا فيثقل عليهم، إن أجره‎ ‎على الله، هو الذي يعطيه ثوابه. أفهمهم أنه لا يستطيع أن يطرد الذين آمنوا بالله،‎ ‎وأن له ‏حدوده كنبي. وحدوده لا تعطيه حق طرد المؤمنين لسببين: أنهم سيلقون الله‎ ‎مؤمنين به ‏فكيف يطرد مؤمنا بالله؟ ثم أنه لو طردهم لخاصموه عند الله وهذا يستتبع أن‎ ‎يثبتهم الله على ‏إيمانهم، ويجازي من طردهم، فمن الذي ينصر نوحا من الله لو طردهم؟‎ ‎وهكذا انتهى نوح ‏إلى أن مطالبة قومه له بطرد المؤمنين جهل منهم‎.

وعاد نوح‎ ‎يقول لهم أنه لا يدعى لنفسه أكثر مما له من حق، وأخبرهم بتذللـه وتواضعه لله ‏عز‎ ‎وجل، فهو لا يدعي لنفسه ما ليس له من خزائن الله، وهي إنعامه على من يشاء من ‏عباده،‎ ‎وهو لا يعلم الغيب، لأن الغيب علم اختص الله تعالى وحده به. أخبرهم أيضا أنه ليس‎ ‎ملكا. بمعنى أن منزلته ليست كمنزلة الملائكة.. وقد استدل بعض العلماء من هذه الآية‎ ‎على ‏أن الملائكة أفضل من الأنبياء (انظر تفسير القرطبي). قال لهم نوح: إن الذين‎ ‎تزدري أعينكم ‏وتحتقر وتستثقل.. إن هؤلاء المؤمنين الذي تحتقرونهم لن تبطل أجورهم‎ ‎وتضيع لاحتقاركم ‏لهم، الله أعلم بما في أنفسهم. هو الذي يجازيهم عليه ويؤاخذهم به‎.. ‎أظلم نفسي لو قلت ‏إن الله لن يؤتيهم خيرا‎.

وسئم الملأ يومها من هذا الجدل‎ ‎الذي يجادله نوح.. حكى الله موقفهم منه في سورة ‏‏(هود‎):

قَالُواْ يَا نُوحُ‎ ‎قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ‎ ‎مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا ‏يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا‎ ‎أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (33) وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ‎ ‎لَكُمْ إِن ‏كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ‎ ‎تُرْجَعُونَ‎

أضاف نوح إغواءهم إلى الله تعالى. تسليما بأن الله هو الفاعل‎ ‎في كل حال. غير أنهم ‏استحقوا الضلال بموقفهم الاختياري وملئ حريتهم وكامل إرادتهم‎.. ‎وقديما قال إبليس عليه ‏لعنة الله‎:

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي‎

وينصرف معنى العبارة الظاهري إلى أن الله تعالى هو الذي أغواه.. والحقيقة‎ ‎أن الله سبحانه ‏وتعالى أعطاه حريته ثم حاسبه عليها، ونحن لا نرى رأي القدرية‎ ‎والمعتزلة والإمامية. أنهم ‏يرون إن إرادة الإنسان كافية في صدور أفعاله منه، طاعة‎ ‎كانت أو معصية، لأن الإنسان ‏عندهم خالق لأفعاله، فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى‎ ‎ربه‎.

لا نرى رأيهم هذا بإطلاقه. إنما نرى إن الإنسان صانع لأفعاله ولكنه‎ ‎محتاج في صدورها عنه ‏إلى ربه. بهذه النظرة يستقيم معنى مساءلة الإنسان عن أفعاله‎. ‎كل ما في الأمر أن الله ‏ييسر كل مخلوق لما خلق له، سواء أكان التيسير إلى الخير أم‎ ‎إلى الشر.. وهذا من تمام ‏الحرية وكمالها. يختار الإنسان بحريته فييسر له الله تعالى‎ ‎طريق ما اختاره. اختار إبليس ‏طريق الغواية فيسر الله له طريق الغواية. واختار كفار‎ ‎قوم نوح نفس الطريق فيسره الله ‏لهم‎.

وتستمر المعركة، وتطول المناقشة بين‎ ‎الكافرين من قوم نوح وبينه إذا انهارت كل حجج ‏الكافرين ولم يعد لديهم ما يقال،‎ ‎بدءوا يخرجون عن حدود الأدب ويشتمون نبي الله‎:

قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ‎ ‎إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ‎

ورد عليهم نوح بأدب الأنبياء‎ ‎العظيم‎:

قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن‎ ‎رَّبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ ‏لَكُمْ‎ ‎وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ‎

ويستمر نوح في دعوة قومه إلى‏‎ ‎الله. ساعة بعد ساعة. ويوما بعد يوم. وعاما بعد عام. ومرت ‏الأعوام ونوح يدعو قومه‎. ‎كان يدعوهم ليلا ونهارا، وسرا وجهرا، يضرب لهم الأمثال. ويشرح ‏لهم الآيات ويبين لهم‎ ‎قدرة الله في الكائنات، وكلما دعاهم إلى الله فروا منه، وكلما دعاهم ‏ليغفر الله لهم‎ ‎جعلوا أصابعهم في آذانهم واستكبروا عن سماع الحق‎.

حكى الله تعالى ما لقيه‎ ‎نوح في سورة (نوح‎):

فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6‏‎) ‎وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي‎ ‎آذَانِهِمْ ‏وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا‎ (7) ‎ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (Cool ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ ‏لَهُمْ‎ ‎وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ‎ ‎كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم ‏مِّدْرَارًا (11‏‎) ‎وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل‎ ‎لَّكُمْ أَنْهَارًا‎

ماذا كان جواب قومه بعد هذا كله؟‎

قَالَ نُوحٌ‎ ‎رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ‎ ‎إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ‏‏(22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ‎ ‎آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ‎ ‎وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا ‏كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا‎ ‎ضَلَالًا‎

واستمر نوح يدعو قومه إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاما. قال تعالى‎ ‎في سورة ‏‏(العنكبوت‎):

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ‎ ‎فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ‎ ‎ظَالِمُونَ


وكان يلاحظ أن عدد المؤمنين لا يزيد، بينما يزيد عدد الكافرين. وحزن نوح غير‎ ‎أنه لم يفقد ‏الأمل، وظل يدعو قومه ويجادلهم، وظل قومه على الكبرياء والكفر والتبجح‎. ‎وحزن نوح على ‏قومه. لكنه لم يبلغ درجة اليأس. ظل محتفظا بالأمل طوال 950 سنة. ويبدو‎ ‎أن أعمار الناس ‏قبل الطوفان كانت طويلة، وربما يكون هذا العمر الطويل لنوح معجزة‎ ‎خاصة له‎.

وجاء يوم أوحى الله إليه، أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن‎. ‎أوحى الله إليه ألا يحزن ‏عليهم. ساعتها دعا نوح على الكافرين بالهلاك‎:

وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ‎ ‎دَيَّارًا‎

برر نوح دعوته بقوله‎:

إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا‎ ‎عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا‎

يخبرنا الله تعالى في‎ ‎سورة (هود) بما أوحى به لنبيه الكريم نوح عليه السلام فيقول‎:

وَأُوحِيَ‎ ‎إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ‎ ‎تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (36) ‏وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا‎ ‎وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ‎

انتهى الأمر وأصدر الله تعالى حكمه على الكافرين بالطوفان. أخبر الله تعالى‎ ‎عبده نوحا أنه ‏سيصنع هذه السفينة بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا أي بعلم الله وتعليمه،‎ ‎وعلى مرأى منه وطبقا لتوجيهاته ‏ومساعدة الملائكة. أصدر الله تعالى أمره إلى نوح‎:

وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ‎

يغرق الله الذين ظلموا مهما كانت أهميتهم أو قرابتهم للنبي، وينهى الله‎ ‎نبيه أن يخاطبه أو ‏يتوسط لهم‎.

وبدأ نوح يغرس الشجر ويزرعه ليصنع منه‎ ‎السفينة. انتظر سنوات، ثم قطع ما زرعه، وبدأ ‏نجارته. كانت سفينة عظيمة الطول‎ ‎والارتفاع والمتانة، وقد اختلف المفسرون في حجمها، ‏وهيئتها، وعدد طبقاتها، ومدة‎ ‎عملها، والمكان الذي عملت فيه، ومقدار طولها، وعرضها، على ‏أقوال متعارضة لم يصح‎ ‎منها شيء. وقال الفخر الرازي في هذا كله: أعلم أن هذه المباحث ‏لا تعجبني، لأنها‎ ‎أمور لا حاجة إلى معرفتها البتة، ولا يتعلق بمعرفتها فائدة أصلا. نحن نتفق ‏مع‎ ‎الرازي في مقولته هذه. فنحن لا نعرف عن حقيقة هذه السفينة إلا ما حدثنا الله به‎. ‎تجاوز الله تعالى هذه التفصيلات التي لا أهمية لها، إلى مضمون القصة ومغزاها المهم‎.

بدأ نوح يبني السفينة، ويمر عليه الكفار فيرونه منهمكا في صنع السفينة،‎ ‎والجفاف سائد، ‏وليست هناك أنهار قريبة أو بحار. كيف ستجري هذه السفينة إذن يا نوح؟‎ ‎هل ستجري على ‏الأرض؟ أين الماء الذي يمكن أن تسبح فيه سفينتك؟ لقد جن نوح، وترتفع‎ ‎ضحكات الكافرين ‏وتزداد سخريتهم من نوح. وكانوا يسخرون منه قائلين: صرت نجارا بعد أن‎ ‎كنت نبيا‎!

إن قمة الصراع في قصة نوح تتجلى في هذه المساحة الزمنية، إن‎ ‎الباطل يسخر من الحق. ‏يضحك عليه طويلا، ويسخر منه طويلا، متصورا أن الدنيا ملكه،‎ ‎وأن الأمن نصيبه، وأن العذاب ‏غير واقع.. غير أن هذا كله مؤقت بموعد حلول الطوفان‎. ‎عندئذ يسخر المؤمنون من الكافرين، ‏وتكون سخريتهم هي الحق. قال تعالى في سورة (هود‎):

وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ‎ ‎سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ ‏كَمَا‎ ‎تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ‎ ‎عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ‎

انتهى صنع السفينة، وجلس نوح ينتظر أمر الله‎. ‎أوحى الله إلى نوح أنه إذا فار التنور هذا ‏علامة على بدء الطوفان. قيل في تفسير‎ ‎التنور أنه بركان في المنطقة، وقيل أن الفرن ‏الكائن في بيت نوح، إذا خرج منه الماء‎ ‎وفار كان هذا أمرا لنوح بالحركة‎.

وجاء اليوم الرهيب، فار التنور. وأسرع نوح‎ ‎يفتح سفينته ويدعو المؤمنين به، وهبط جبريل ‏عليه السلام إلى الأرض. حمل نوح إلى‎ ‎السفينة من كل حيوان وطير ووحش زوجين اثنين، ‏بقرا وثورا، فيلا وفيلة، عصفورا‎ ‎وعصفور، نمرا ونمرة، إلى آخر المخلوقات‎.

كان نوح قد صنع أقفاصا للوحوش وهو‎ ‎يصنع السفينة. وساق جبريل عليه السلام أمامه من ‏كل زوجين اثنين، لضمان بقاء نوع‎ ‎الحيوان والطير على الأرض، وهذا معناه أن الطوفان أغرق ‏الأرض كلها، فلولا ذلك ما‎ ‎كان هناك معنى لحمل هذه الأنواع من الحيوان والطير‎.

وبدأ صعود السفينة‎. ‎صعدت الحيوانات والوحوش والطيور، وصعد من آمن بنوح، وكان عدد ‏المؤمنين قليلا. قال‎ ‎تعالى في سورة (هود‎):

حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ‎ ‎قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن‎ ‎سَبَقَ عَلَيْهِ ‏الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ‎

لم تكن زوجة نوح مؤمنة به فلم تصعد، وكان أحد أبنائه يخفي كفره ويبدي‎ ‎الإيمان أمام نوح، ‏فلم يصعد هو الآخر. وكانت أغلبية الناس غير مؤمنة هي الأخرى، فلم‎ ‎تصعد. وصعد ‏المؤمنون. قال ابن عباس، رضي الله عنهما: آمن من قوم نوح ثمانون إنسانا‎.

ارتفعت المياه من فتحات الأرض. لم تبق هناك فتحة في الأرض إلا خرج منها‎ ‎الماء. انهمرت ‏من السماء أمطارا غزيرة بكميات لم تر مثلها الأرض قبلها، ولن ترى‎ ‎بعدها. وراحت المياه ‏تسقط من السماء وتخرج من فتحات الأرض، وترتفع ساعة بعد ساعة‎. ‎فقدت البحار هدوئها، ‏وانفجرت أمواجها تجور على اليابسة، وتكتسح الأرض. كان باطن‎ ‎الأرض يتحرك حركة غير ‏عادية. ارتفعت قيعان المحيطات ارتفاعات مفاجئة، واندفع موج‎ ‎البحار يكتسح أمامه الجزء ‏اليابس من الأرض‎.

وغرقت الكرة الأرضية للمرة‎ ‎الأولى في المياه. كانت أثناء الطوفان هي الكرة المائية، لم تعد ‏كرة أرضية. قال‎ ‎تعالى في سورة (القمر‎):

فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء‎ ‎مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ‎ ‎قَدْ قُدِرَ(12) ‏وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ‎

ارتفعت‎ ‎المياه أعلى من الناس. تجاوزت قمم الأشجار، وقمم الجبال، وغطت سطح الأرض ‏كله. وفي‎ ‎بداية الطوفان نادى نوح ابنه. كان ابنه يقف بمعزل منه. ويحكي لنا المولى عز ‏وجل‎ ‎الحوار القصير الذي دار بين نوح عليه السلام وابنه قبل أن يحول بينهما الموج فجأة‎. ‎نادى نوح ابنه قائلا‎:

يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ‎ ‎الْكَافِرِينَ‎

ورد الابن عليه‎:

قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ‎ ‎يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء‎

عاد نوح يخاطبه‎:

قَالَ لاَ عَاصِمَ‎ ‎الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ‎

وانتهى الحوار بين نوح‎ ‎وابنه‎:

وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ‎

انظر إلى تعبير القرآن الكريم‎:

وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ‎

أنهى الموج حوارهما فجأة. نظر نوح فلم يجد ابنه. لم يجد غير جبال الموج‎ ‎التي ترتفع وترفع ‏معها السفينة، وتفقدها رؤية كل شيء غير المياه. وشاءت رحمة الله‎ ‎أن يغرق الابن بعيدا ‏عن عين الأب، رحمة منه بالأب، واعتقد نوح أن ابنه المؤمن تصور‎ ‎أن الجبل سيعصمه من ‏الماء، فغرق‎.

واستمر الطوفان. استمر يحمل سفينة نوح‎. ‎بعد ساعات من بدايته، كانت كل عين تطرف ‏على الأرض قد هلكت غرقا. لم يعد باقيا من‎ ‎الحياة والأحياء غير هذا الجزء الخشبي من ‏سفينة نوح، وهو ينطوي على الخلاصة المؤمنة‎ ‎من أهل الأرض. وأنواع الحيوانات والطيور ‏التي اختيرت بعناية. ومن الصعب اليوم تصور‎ ‎هول الطوفان أو عظمته. كان شيئا مروعا يدل ‏على قدرة الخالق. كانت السفينة تجري بهم‎ ‎في موج كالجبال. ويعتقد بعض العلماء اليوم إن ‏انفصال القارات وتشكل الأرض في صورتها‎ ‎الحالية، قد وقعا نتيجة طوفان قديم جبار، ثارت ‏فيه المياه ثورة غير مفهومة. حتى غطت‏‎ ‎سطح الجزء اليابس من الأرض، وارتفعت فيه قيعان ‏المحيطات ووقع فيه ما نستطيع تسميته‎ ‎بالثورة الجغرافية‎.‎


استمر طوفان نوح زمنا لا نعرف مقداره. ثم صدر الأمر الإلهي إلى السماء أن تكف‎ ‎عن ‏الإمطار، وإلى الأرض أن تستقر وتبتلع الماء، وإلى أخشاب السفينة أن ترسو على‎ ‎الجودي، ‏وهو اسم مكان قديم يقال انه جبل في العراق‎.

طهر الطوفان الأرض‎ ‎وغسلها. قال تعالى في سورة (هود‎):

وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ‎ ‎وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى‎ ‎الْجُودِيِّ ‏وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏‎

‎(‎وَغِيضَ الْمَاء‎) ‎بمعنى نقص الماء وانصرف عائدا إلى فتحات الأرض. ( وَقُضِيَ الأَمْرُ ) بمعنى ‏أنه‎ ‎أحكم وفرغ منه، يعني هلك الكافرون من قوم نوح تماما. ويقال أن الله أعقم أرحامهم‎ ‎أربعين سنة قبل الطوفان، فلم يكن فيمن هلك طفل أو صغير. (وَاسْتَوَتْ عَلَى‏‎ ‎الْجُودِيِّ) ‏بمعنى رست عليه، وقيل كان ذلك يوم عاشوراء. فصامه نوح، وأمر من معه‎ ‎بصيامه. (وَقِيلَ ‏بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي هلاكا لهم. طهر الطوفان‎ ‎الأرض منهم وغسلها. ذهب الهول بذهاب ‏الطوفان. وانتقل الصراع من الموج إلى نفس نوح‎.. ‎تذكر ابنه الذي غرق‎.

لم يكن نوح يعرف حتى هذه اللحظة أن ابنه كافر. كان‎ ‎يتصور أنه مؤمن عنيد، آثر النجاة ‏باللجوء إلى جبل. وكان الموج قد أنهى حوارهما قبل‎ ‎أن يتم.. فلم يعرف نوح حظ ابنه من ‏الإيمان. تحركت في قلب الأب عواطف الأبوة‎.

قال تعالى في سورة (هود‎):

وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ‏‎ ‎إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ‎ ‎الْحَاكِمِينَ‎

أراد نوح أن يقول لله أن ابنه من أهله المؤمنين. وقد وعده‎ ‎الله بنجاة أهله المؤمنين. قال الله ‏سبحانه وتعالى، مطلعا نوحا على حقيقة ابنه‎ ‎للمرة الأولى‎:

يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ‎ ‎غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن‎ ‎تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ‎

قال القرطبي -نقلا عن شيوخه من العلماء- وهو‏‎ ‎الرأي الذي نؤثره: كان ابنه عنده -أي نوح- ‏مؤمنا في ظنه، ولم يك نوح يقول لربه‎: (‎إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي) إلا وذلك عنده كذلك، إذ محال أن ‏يسأل هلاك الكفار، ثم‎ ‎يسأل في إنجاء بعضهم. وكان ابنه يسر الكفر ويظهر الإيمان. فأخبر ‏الله تعالى نوحا‎ ‎بما هو منفرد به من علم الغيوب. أي علمت من حال ابنك ما لم تعلمه أنت. ‏وكان الله‎ ‎حين يعظه أن يكون من الجاهلين، يريد أن يبرئه من تصور أن يكون ابنه مؤمنا، ثم ‏يهلك‎ ‎مع الكافرين‎.

وثمة درس مهم تنطوي عليه الآيات الكريمة التي تحكي قصة نوح‎ ‎وابنه. أراد الله سبحانه ‏وتعالى أن يقول لنبيه الكريم أن ابنه ليس من أهله، لأنه لم‎ ‎يؤمن بالله، وليس الدم هو الصلة ‏الحقيقية بين الناس. ابن النبي هو ابنه في العقيدة‎. ‎هو من يتبع الله والنبي، وليس ابنه من ‏يكفر به ولو كان من صلبه. هنا ينبغي أن يتبرأ‎ ‎المؤمن من غير المؤمن. وهنا أيضا ينبغي أن ‏تتصل بين المؤمنين صلات العقيدة فحسب. لا‎ ‎اعتبارات الدم أو الجنس أو اللون أو الأرض‎.

واستغفر نوح ربه وتاب إليه‎ ‎ورحمه الله وأمره أن يهبط من السفينة محاطا ببركة الله ورعايته‎. ‎‎

قَالَ‎ ‎رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ‎ ‎تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ ‏الْخَاسِرِينَ (47) قِيلَ يَا نُوحُ‎ ‎اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ‎

وهبط نوح من سفينته. أطلق سراح الطيور والوحش فتفرقت في الأرض، نزل‎ ‎المؤمنون بعد ‏ذلك‎.

وضع نوح جبهته على الأرض وسجد. لم تزل الأرض مبللة من أثر‎ ‎الطوفان. نهض نوح بعد ‏صلاته وحفر الأساس لبناء معبد عظيم لله. ومر يوم صيام الشكر‎ ‎لله‎.

ولا يحكي لنا القرآن الكريم قصة من آمن مع نوح بعد نجاتهم من‎ ‎الطوفان‎
avatar
Abdel Mohsen

عدد المساهمات : 500
نقاط : 635
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 03/01/2010
الموقع : في حي الروضه

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: قصة نوح عليه السلام

مُساهمة من طرف ŽỲỖǾỖĐ في الأحد مارس 07, 2010 6:27 am

شكرااا
avatar
ŽỲỖǾỖĐ

عدد المساهمات : 500
نقاط : 699
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 31/12/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: قصة نوح عليه السلام

مُساهمة من طرف Abdel Mohsen في الإثنين مارس 08, 2010 9:39 am

عفواا
avatar
Abdel Mohsen

عدد المساهمات : 500
نقاط : 635
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 03/01/2010
الموقع : في حي الروضه

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى