قصة ابراهيم عليه السلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

default قصة ابراهيم عليه السلام

مُساهمة من طرف Abdel Mohsen في الجمعة يناير 22, 2010 6:55 am

:: نص الموضوع :


هو خليل الله، اصطفاه‎ ‎الله برسالته وفضله على كثير من خلقه، كان إبراهيم يعيش في قوم ‏يعبدون الكواكب، فلم‎ ‎يكن يرضيه ذلك، وأحس بفطرته أن هناك إلها أعظم حتى هداه الله ‏واصطفاه برسالته، وأخذ‎ ‎إبراهيم يدعو قومه لوحدانية الله وعبادته ولكنهم كذبوه وحاولوا ‏إحراقه فأنجاه الله‎ ‎من بين أيديهم، جعل الله الأنبياء من نسل إبراهيم فولد له إسماعيل ‏وإسحاق، قام‎ ‎إبراهيم ببناء الكعبة مع إسماعيل‎.


هو أحد أولي العزم الخمسة الكبار الذين اخذ الله منهم ميثاقا غليظا، وهم: نوح‎ ‎وإبراهيم ‏وموسى وعيسى ومحمد.. بترتيب بعثهم. وهو النبي الذي ابتلاه الله ببلاء‎ ‎مبين. بلاء فوق ‏قدرة البشر وطاقة الأعصاب. ورغم حدة الشدة، وعنت البلاء.. كان‎ ‎إبراهيم هو العبد الذي ‏وفى. وزاد على الوفاء بالإحسان.. قال تعالى في سورة‎ (‎النجم‎):

وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى‎


وقد كرم الله تبارك وتعالى إبراهيم تكريما خاصا، فجعل ملته هي التوحيد الخالص‎ ‎النقي من ‏الشوائب. وجعل العقل في جانب الذين يتبعون دينه. قال تعالى في سورة‎ (‎البقرة‎):

وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ‎ ‎نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ ‏لَمِنَ‎ ‎الصَّالِحِينَ‎

وأثنى الله سبحانه على إبراهيم فقال في سورة (النحل‎):

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ‎ ‎مِنَ الْمُشْرِكِينَ‎

وكان من فضل الله على إبراهيم أن جعله الله إماما‎ ‎للناس. وجعل في ذريته النبوة والكتاب. ‏فكل الأنبياء من بعد إبراهيم هم أولاده‎ ‎وأحفاده، وتحقق وعد الله له فلم يبعث بعده نبي إلا ‏جاء من نسله. حتى إذا جاء آخر‎ ‎الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، جاء تحقيقا واستجابة ‏لدعوة إبراهيم التي دعا‎ ‎الله فيها أن يبعث في الأميين رسولا منهم‎.

ولو مضينا نبحث في فضل إبراهيم‎ ‎وتكريم الله له فسوف نمتلئ بالدهشة. نحن أمام بشر ‏جاء ربه بقلب سليم. إنسان لم يكد‎ ‎الله يقول له أسلم حتى قال أسلمت لرب العالمين. نبي ‏هو أول من سمانا المسلمين. نبي‎ ‎أثمرت دعوته المستجابة عن بعث محمد بن عبد الله ‏صلى الله عليه وسلم. نبي كان جدا‎ ‎وأبا لكل أنبياء الله الذين جاءوا بعده. نبي هادئ متسامح ‏حليم أواه منيب. قال تعالى‎ ‎في سورة (هود‎):

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ‎

وقال في سورة (الصافات‎):

سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ‎

يذكر‎ ‎لنا ربنا ذو الجلال والإكرام أمرا آخر أفضل من كل ما سبق. فيقول الله عز وجل في‎ ‎محكم آياته‎:

وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً‎

لم يرد في‎ ‎كتاب الله ذكر لنبي، اتخذه الله خليلا غير إبراهيم. قال العلماء: الخُلَّة هي شدة‎ ‎المحبة. وبذلك تعني الآية: واتخذ الله إبراهيم حبيبا. فوق هذه القمة الشامخة يجلس‎ ‎إبراهيم عليه الصلاة والسلام. إن منتهى أمل السالكين، وغاية هدف المحققين والعارفين‎ ‎بالله.. أن يحبوا الله عز وجل. أما أن يحلم أحدهم أن يحبه الله، أن يفرده بالحب، أن‎ ‎يختصه ‏بالخُلَّة وهي شدة المحبة.. فذلك شيء وراء آفاق التصور‎.

كان إبراهيم‎ ‎هو هذا العبد الرباني الذي استحق أن يتخذه الله خليلا‎.


لا يتحدث القرآن عن ميلاده أو طفولته، ولا يتوقف عند عصره صراحة، ولكنه‎ ‎يرسم صورة لجو ‏الحياة في أيامه، فتدب الحياة في عصره، وترى الناس قد انقسموا ثلاث‎ ‎فئات‎:

فئة تعبد الأصنام والتماثيل الخشبية والحجرية‎.
وفئة تعبد الكواكب‎ ‎والنجوم والشمس والقمر‎.
وفئة تعبد الملوك والحكام‎.
وفي هذا الجو ولد إبراهيم‎. ‎ولد في أسرة من أسر ذلك الزمان البعيد. لم يكن رب الأسرة ‏كافرا عاديا من عبدة‎ ‎الأصنام، كان كافرا متميزا يصنع بيديه تماثيل الآلهة‎.

قيل أن أباه مات قبل‎ ‎ولادته فرباه عمه، وكان له بمثابة الأب، وكان إبراهيم يدعوه بلفظ الأبوة، ‏وقيل أن‎ ‎أباه لم يمت وكان آزر هو والده حقا، وقيل أن آزر اسم صنم اشتهر أبوه بصناعته‎.. ‎ومهما يكن من أمر فقد ولد إبراهيم في هذه الأسرة‎.

رب الأسرة أعظم نحات يصنع‎ ‎تماثيل الآلهة. ومهنة الأب تضفي عليه قداسة خاصة في ‏قومه، وتجعل لأسرته كلها مكانا‎ ‎ممتازا في المجتمع. هي أسرة مرموقة، أسرة من الصفوة ‏الحاكمة‎.

من هذه الأسرة‎ ‎المقدسة، ولد طفل قدر له أن يقف ضد أسرته وضد نظام مجتمعه وضد ‏أوهام قومه وضد ظنون‎ ‎الكهنة وضد العروش القائمة وضد عبدة النجوم والكواكب وضد كل ‏أنواع الشرك باختصار‎. ‎وكان طبيعيا أن يكون جزاؤه الإلقاء في النار حيا‎.

لا نريد أن نسبق الأحداث‎. ‎لنبدأ معه منذ طفولته‎:

كان عقله مضيئا منذ طفولته. أضاء الله قلبه وعقله‎ ‎وآتاه الحكمة منذ طفولته. أدرك إبراهيم ‏وهو طفل أن أباه يصنع تماثيل غريبة. وسأله‎ ‎يوما عما يصنع، فأخبره أنها تماثيل الآلهة، ‏ودهش إبراهيم وأحس داخل عقله بالرفض‎. ‎كان يلعب وهو طفل بهذه التماثيل ويمتطي ‏ظهورها مثلما يمتطي الناس ظهور الحمير‎ ‎والبغال. وشاهده أبوه يوما يركب ظهر أحد تمثال، ‏وغضب الأب وأمر ابنه ألا يلعب بهذا‎ ‎التمثال مرة ثانية‎.

سأل إبراهيم: أي تمثال هذا يا أبي..؟ إن أذنيه كبيرتان‎.. ‎أكبر من آذاننا. قال أبوه: انه مردوخ ‏رب الأرباب يا ولدي، وهاتان الأذنان الكبيرتان‎ ‎ترمزان إلى فهمه العميق. ضحك إبراهيم بينه ‏وبين نفسه.. كان عمره سبع‎ ‎سنين‎.

يحدثنا القديس برنابا على لسان عيسى كيف سخر إبراهيم من أبيه وهو طفل‎. ‎يقول‎:

إن إبراهيم سأل والده يوما: من صنع الإنسان يا أبي؟‎

قال الأب‎: ‎الإنسان، لأني أنا صنعتك وأبي صنعني‎.

أجاب إبراهيم: ليس الأمر كذلك يا أبي‎. ‎لأني سمعت شيخا ينتحب ويقول: يا إلهي.. لماذا لم ‏تعطني أولادا؟‎

قال الأب‎: ‎حقا يا بني.. الله يساعد الإنسان ليصنع إنسانا، ولكنه لا يضع يده فيه‎.

قال‎ ‎إبراهيم: كم إلها هناك يا أبي؟‎

أجاب الشيخ: لا عدد لهم يا بني‎.

قال‎ ‎إبراهيم: ماذا أفعل يا أبي إذا خدمت إلها وأراد بي الآخر شرا لأني لم اخدمه؟ ماذا‎ ‎لو ‏وقع شقاق وخصام بين الآلهة؟ ماذا لو قتل الإله الذي يريد بي شرا إلهي؟ ماذا‎ ‎أفعل..؟ من ‏المؤكد أنه يقتلني أنا أيضا‏‎.

أجاب الشيخ ضاحكا: لا تخف يا بني‎ ‎لأنه لا يخاصم إله إلها آخر. في الهيكل الكبير ألوف من ‏الآلهة مع الإله الكبير بعل،‎ ‎وقد بلغت الآن سبعين سنة من العمر ومع ذلك لم أر إلها قط ‏ضرب إلها آخر‎.

قال‎ ‎إبراهيم: إذن يوجد وفاق بينهم‎.

أجاب أبوه: نعم يوجد‎.

قال إبراهيم: من‎ ‎أي شيء تصنع الآلهة؟‎

قال الشيخ: هذا من خشب النخل، وذاك من الزيتون، وذلك‎ ‎التمثال الصغير من العاج. انظر ما ‏أجمله.. حقا لا ينقصه إلا التنفس‎.

قال‎ ‎إبراهيم: إذا لم يكن للآلهة نفس فكيف يهبون الأنفاس؟ وإذا لم تكن لهم حياة فكيف‎ ‎يعطون الحياة؟ من المؤكد يا أبي إن هؤلاء ليسوا هم الله‎!

حنق الشيخ لهذا‎ ‎الكلام وقال ثائرا: لو كنت بالغا من العمر ما تتمكن معه من الإدراك ‏لشججت رأسك بهذه‎ ‎الفأس‎.

قال إبراهيم: يا أبي.. إن كانت الآلهة تساعد على صنع الإنسان فكيف‎ ‎يتأتى للإنسان أن ‏يصنع آلهة؟ إذا كانت الآلهة مصنوعة من الخشب فإن إحراق الخشب‎ ‎خطيئة كبرى. ولكن قل ‏لي يا أبت.. كيف وأنت تساعد الآلهة وتصنع منها أعدادا هائلة‎.. ‎كيف لم تساعدك الآلهة ‏لتصنع أولادا كثيرين فتصير أقوى رجل في القرية؟‎

انتهى‎ ‎الحوار بينهما بأن مد الأب يده وضرب إبراهيم‎.



ومرت الأيام.. وكبر إبراهيم.. كان قلبه يمتلأ من طفولته بكراهية صادقة لهذه‎ ‎التماثيل التي ‏يصنعها والده. لم يكن يفهم كيف يمكن لإنسان عاقل أن يصنع بيديه‎ ‎تمثالا، ثم يسجد بعد ذلك ‏لما صنع بيديه. لاحظ إبراهيم إن هذه التماثيل لا تشرب ولا‎ ‎تأكل ولا تتكلم ولا تستطيع أن ‏تعتدل لو قلبها أحد على جنبها. كيف يتصور الناس أن‎ ‎هذه التماثيل تضر وتنفع؟‎!

عذبت هذه الفكرة إبراهيم طويلا. أيمكن أن يكون كل‎ ‎قومه على خطأ، وهو وحده على ‏الحق؟ أليس هذا شيئا مدهشا؟‎

كان لقوم إبراهيم‎ ‎معبد كبير يمتلئ بالتماثيل. وكان في وسط المعبد محراب توضع فيه ‏تماثيل أكبر الآلهة‎. ‎وكانت الآلهة أنواعا وأصنافا وأشكالا. وكان إبراهيم يزور المعبد مع والده ‏وهو طفل،‎ ‎كان يحس باحتقار عظيم لكل هذه الأخشاب والحجارة. الأمر المدهش هو الناس.. ‏قومه‎.. ‎كانوا إذا دخلوا خفضوا رؤوسهم وحنوا ظهورهم، وبدءوا يبكون ويتوسلون ويسألونها ‏أشياء‎ ‎كأنها تسمع أو تفهم. في البداية كان هذا المنظر يبدو مضحكا لإبراهيم، ثم بدأ‏‎ ‎إبراهيم ‏يحس بالغضب. أليس شيئا عجيبا أن يكون كل هؤلاء الناس مخدوعين؟ وزادت‎ ‎المشكلة! إن ‏والد إبراهيم كان يريد أن يكون إبراهيم كاهنا حين يكبر. ولم يكن والد‎ ‎إبراهيم يريد من ابنه ‏شيئا أكثر من أن يحترم هذه التماثيل، غير أن إبراهيم كان لا‏‎ ‎ينقطع عن التصريح باحتقاره ‏وكراهيته لها‎.

وذات يوم دخل إبراهيم المعبد مع‎ ‎أبيه. وبدأت الاحتفالات بالتماثيل. ووسط الاحتفال راح كبير ‏الكهنة يوجه الحديث إلى‎ ‎تمثال كبير الآلهة. وكان الكاهن يتحدث بصوت عميق مؤثر ويسأل ‏التمثال أن يرحم قومه‎ ‎ويرزقهم. وخرج صوت إبراهيم في سكون المعبد وهو يخاطب كبير ‏الكهنة: إنه لا يسمعك يا‎ ‎سيدي الكاهن.. ألا تلاحظ انه لا يسمع؟‎

والتفت الناس لهذا الصبي فوجدوه‎ ‎إبراهيم. شعر كبير الكهنة بالإحراج والغضب، واعتذر الأب ‏مدعيا أن ابنه مريض ولا‎ ‎يعرف ما يقول.. وخرج الاثنان من المعبد، صحب الوالد إبراهيم إلى ‏فراشه وأرقده فيه،‎ ‎وتركه ومضى‎.

نهض إبراهيم من فراشه، متوجها لأحد كهوف الجبل، وكان متأكدا‎ ‎لدرجة اليقين أنه لا يمكن ‏أن تكون هذه التماثيل الخشبة والحجرية التي يصنعها قومه‎ ‎هي من خلقت هذا الكون ‏ودبرت أموره. نظر إلى السماء. لم يكد ينظر إليها حتى تذكر أنه‎ ‎ينظر لكواكب ونجوم تعبد في ‏الأرض. وامتلأ قلب الفتى الصغير بحزن رحيم‎ ‎كبير‎.

نظر إلى ما وراء القمر النجوم والكواكب. أدهشه أن يعبدها الناس وهي‎ ‎مخلوقة تعبد ‏خالقها، وتظهر بإذنه وتأفل بإذنه. وأدار إبراهيم بينه وبين نفسه حوارا‎ ‎داخليا، لم يلبث أن مده ‏إلى حوار مع قومه الذين يعبدون هذه الكواكب‎.

حكى‎ ‎الله تعالى هذه المواقف بقوله تعالى في سورة (الأنعام‎):

وَإِذْ قَالَ‎ ‎إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ‎ ‎وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ ‏نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ‎ ‎السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ‎ ‎عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى ‏كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي‎

لا يحدثنا القرآن عن الجو الذي أعلن فيه إبراهيم ذلك. غير أننا نحس من سياق الآيات‎ ‎أن هذا ‏الإعلان كان بين قومه، ويبدو أن قومه اطمأنوا له، وحسبوا أنه يرفض عبادة‎ ‎التماثيل ويهوى ‏عبادة الكواكب. وكانت الملاحة حرة بين الوثنيات الثلاث: عبادة‎ ‎التماثيل والنجوم والملوك‎.

غير أن إبراهيم كان يدخر لقومه مفاجأة مذهلة في‎ ‎الصباح. لقد أفل الكوكب الذي التحق ‏بديانته بالأمس. وإبراهيم لا يحب الآفلين. قال‎ ‎تعالى‎:

فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى‎ ‎الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـذَا رَبِّي‎

عاد إبراهيم في الليلة الثانية‎ ‎يعلن لقومه أن القمر ربه. لم يكن قومه على درجة كافية من ‏الذكاء ليدركوا أنه يسخر‎ ‎منهم برفق ولطف وحب. كيف يعبدون ربا يختفي ثم يظهر. يأفل ثم ‏يشرق.. بانتظام يشي‎ ‎بعبوديته لله؟ لم يفهم قومه هذا في المرة الأولى فكرره مع القمر. ‏لكن القمر كالزهرة‎ ‎كأي كوكب آخر.. يظهر ويختفي.. قال تعالى‎:

فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن‎ ‎لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ‎

سنلاحظ هنا‎ ‎أنه يحدث قومه عن رفضه لألوهية القمر.. إنه يمزق العقيدة القمرية بهدوء ‏ولطف. كيف‎ ‎يعبد الناس ربا يختفي ويأفل. لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي يفهمهم أن له ربا غير كل‎ ‎ما ‏يعبدون. غير أن اللفتة لا تصل إليهم. ويعاود إبراهيم محاولته في إقامة الحجة على‎ ‎الفئة ‏الأولى من قومه.. عبدة الكواكب والنجوم. قال تعالى‎:

فَلَمَّا رَأَى‎ ‎الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ‎ ‎يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا ‏تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ‎ ‎لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ‎ ‎الْمُشْرِكِينَ‎

كان تفنيده للعقيدة الشمسية هو ختام جولته مع عبدة الكواكب‎ ‎والنجوم. أعلن أن الشمس ‏ربه لأنها أكبر. سخرية مرت على آذان قومه فلم تلتقطها‎ ‎القلوب الموصدة. لم يفهم عبدة ‏الشمس أنهم يعبدون مخلوقا. لا يغني فيه أنه كبير‎.. ‎الله أكبر.. بعد أن أعلن إبراهيم أن ‏الشمس ربه، انتظر حتى جاء المغيب، وغربت الشمس‎. ‎أفلت هي الأخرى مثل كل ‏المعبودات التي تأفل. بعدها أعلن براءته من عبادة النجوم‎ ‎والكواكب. أنهى جولته الأولى ‏بتوجيهه وجهه للذي فطر السماوات والأرض حنيفا.. ليس‎ ‎مشركا مثلهم‎.

استطاعت حجة إبراهيم أن تظهر الحق. وبدأ صراع قومه معه. لم‎ ‎يسكت عنه عبدة النجوم ‏والكواكب. بدءوا جدالهم وتخويفهم له وتهديده. ورد إبراهيم‎ ‎عليهم قال‎:

أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا‎ ‎تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ ‏شَيْءٍ‎ ‎عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ‎ ‎تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ ‏يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ‎ ‎سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ‏‎

لا نعرف رهبة الهجوم عليه. ولا حدة الصراع ضده، ولا أسلوب قومه الذي اتبعه‎ ‎معه لتخويفه. ‏تجاوز القرآن هذا كله إلى رده هو. كان جدالهم باطلا فأسقطه القرآن من‎ ‎القصة، وذكر رد ‏إبراهيم المنطقي العاقل. كيف يخوفونه ولا يخافون هم؟ أي الفريقين‎ ‎أحق بالأمن؟‎

الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ‎ ‎أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ‎

بعد أن بين إبراهيم عليه‎ ‎السلام حجته لفئة عبدة النجوم والكواكب، استعد لتبيين حجته ‏لعبدة الأصنام. آتاه‎ ‎الله الحجة في المرة الأولى كما سيؤتيه الحجة في كل مرة‎.

وَتِلْكَ‎ ‎حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن‎ ‎نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ‎

سبحانه.. كان يؤيد إبراهيم ويريه‎ ‎ملكوت السماوات والأرض. لم يكن معه غير إسلامه حين ‏بدأ صراعه مع عبدة الأصنام. هذه‏‎ ‎المرة يأخذ الصراع شكلا أعظم حدة. أبوه في الموضوع.. ‏هذه مهنة الأب وسر مكانته‎ ‎وموضع تصديق القوم.. وهي العبادة التي تتبعها الأغلبية‎.‎


خرج إبراهيم على قومه بدعوته. قال بحسم غاضب وغيرة على الحق‎:

إِذْ‎ ‎قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا‎ ‎عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ ‏‏(53) قَالَ لَقَدْ‎ ‎كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا‎ ‎بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ ‏‏(55) قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ‎ ‎السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ‎ ‎الشَّاهِدِينَ‎

انتهى الأمر وبدأ الصراع بين إبراهيم وقومه.. كان أشدهم‎ ‎ذهولا وغضبا هو أباه أو عمه الذي ‏رباه كأب.. واشتبك الأب والابن في الصراع. فصلت‎ ‎بينهما المبادئ فاختلفا.. الابن يقف مع ‏الله، والأب يقف مع الباطل‏‎.

قال‎ ‎الأب لابنه: مصيبتي فيك كبيرة يا إبراهيم.. لقد خذلتني وأسأت إلي‎.

قال‎ ‎إبراهيم‎:

يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا‎ ‎يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ ‏مَا‎ ‎لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا‎ ‎تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ ‏لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا‎ ‎أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ‎ ‎لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا‎

انتفض الأب واقفا وهو يرتعش من الغضب. قال لإبراهيم‎ ‎وهو ثائر‎:

قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن‎ ‎لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا‎

إذا لم تتوقف عن‎ ‎دعوتك هذه فسوف أرجمك، سأقتلك ضربا بالحجارة. هذا جزاء من يقف ضد ‏الآلهة.. اخرج من‎ ‎بيتي.. لا أريد أن أراك.. اخرج‎.

انتهى الأمر وأسفر الصراع عن طرد إبراهيم‎ ‎من بيته. كما أسفر عن تهديده بالقتل رميا ‏بالحجارة. رغم ذلك تصرف إبراهيم كابن بار‎ ‎ونبي كريم. خاطب أباه بأدب الأنبياء. قال لأبيه ردا ‏على الإهانات والتجريح والطرد‎ ‎والتهديد بالقتل‎:

قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي‎ ‎إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ‎ ‎اللَّهِ ‏وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا‎

وخرج إبراهيم من بيت أبيه. هجر قومه وما يعبدون من دون الله. وقرر في نفسه‎ ‎أمرا. كان ‏يعرف أن هناك احتفالا عظيما يقام على الضفة الأخرى من النهر، وينصرف‎ ‎الناس جميعا إليه. ‏وانتظر حتى جاء الاحتفال وخلت المدينة التي يعيش فيها من الناس‎.

وخرج إبراهيم حذرا وهو يقصد بخطاه المعبد. كانت الشوارع المؤدية إلى المعبد‎ ‎خالية. وكان ‏المعبد نفسه مهجورا. انتقل كل الناس إلى الاحتفال. دخل إبراهيم المعبد‎ ‎ومعه فأس حادة. ‏نظر إلى تماثيل الآلهة المنحوتة من الصخر والخشب. نظر إلى الطعام‎ ‎الذي وضعه الناس ‏أمامها كنذور وهدايا. اقترب إبراهيم من تمثال لأحد الآلهة وسأله‎: ‎لقد برد الطعام أمامك.. ‏لماذا لا تأكل؟‎

وظل التمثال صامتا جامدا.. وسأل‎ ‎إبراهيم عددا من التماثيل حوله‎:

أَلَا تَأْكُلُونَ‎

كان يسخر منهم‎ ‎ويعرف أنهم لا يأكلون. وعاد يسأل التماثيل‎:

مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ‎

ثم هوى بفأسه على الآلهة‎.

فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا‎ ‎لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ‏‎

وتحولت الآلهة المعبودة إلى قطع‎ ‎صغيرة من الحجارة والأخشاب المهشمة.. إلا كبير الأصنام ‏فقد تركه إبراهيم (لَّهُمْ‎ ‎لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) فيسألونه كيف وقعت الواقعة وهو حاضر فلم ‏يدفع عن‎ ‎صغار الآلهة! ولعلهم حينئذ يراجعون القضية كلها، فيرجعون إلى صوابهم، ويدركون ‏لم‎ ‎يرجعوا إليه يسألونه ولا إلى أنفسهم يسألونها: إن كانت هذه آلهة فكيف وقع لها ما‎ ‎وقع ‏دون أن تدفع عن أنفسها شيئا. وهذا كبيرها كيف لم يدفع عنها؟ لم يسألوا أنفسم‎ ‎هذا ‏السؤال، لأن الخرافة قد عطلت عقولهم عن التفكير، ولأن التقليد قد غل أفكارهم عن‏‎ ‎التأمل ‏والتدبر. فإذا هم يدعون هذا السؤال الطبيعي لينقموا على من حطم آلهتهم، وصنع‎ ‎بها هذا ‏الصنيع: قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ‎ ‎الظَّالِمِينَ‎

عندئذ تذكر الذين سمعوا إبراهيم ينكر على أبيه ومن معه عبادة‎ ‎التماثيل، ويتوعدهم أن يكيد ‏لآلهتهم بعد انصرافهم عنها‎!

قَالُوا سَمِعْنَا‎ ‎فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى‎ ‎أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ ‏يَشْهَدُونَ‎

وقد قصدوا إلى التشهير به،‎ ‎وإعلان فعلته على رؤوس الأشهاد‎!‎


فهم ما يزالون يصرون على أنها آلهة وهي جداد مهشمة. فأما إبراهيم فهو يتهكم بهم‎ ‎ويسخر منهمن وهو فرد وحده وهم كثر. ذلك أنه ينظر بعقله المفتوح وقلبه الواصل فلا‎ ‎يملك ‏إلا أن يهزأ بهم ويسخر، وأن يجيبهم إجابة تناسب هذا الستوى العقلي الدون‎:

قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا‏‎ ‎يَنطِقُونَ‎

والتهكم واضح في هذا الجواب الساخر. فلا داعي لتسمية هذه ذبة من‎ ‎إبراهيم -عليه ‏السلام- والبحث عن تعليلها بشتى العلل التي اختلف عليها المفسرون‏‎. ‎فالأمر أيسر من هذا ‏بكثير! إنما أراد أن يقول لهم: إن هذه التماثيل لا تدري من‎ ‎حطمها إن كنت انا أم هذا الصنم ‏الكبير الذي لا يملك مثلها حراكا. فهي جماد لا إدراك‎ ‎له أصلا. وانتم كذلك مثلها مسلوبو ‏الإدراك لا تميزون بين الجائز والمستحيل. فلا‎ ‎تعرفون إن كنت أنا الذي حطمتها أن أن هذا ‏التمثال هو الذي حطمها! فَاسْأَلُوهُمْ‎ ‎إِن كَانُوا يَنطِقُونَ‎

ويبدو أن هذا التهكم الساخر قد هزهم هزا، وردهم إلى‎ ‎شيء من التدبر التفكر‎:

فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ‎ ‎أَنتُمُ الظَّالِمُونَ‎

وكانت بادرة خير أن يستشعروا ما في موقفهم من سخفن‎ ‎وما في عبادتهم لهذه التماثيل ‏من ظلم. وان تتفتح بصيرتهم لأول مرة فيتدبروا ذلك‏‎ ‎السخف االذي يأخذون به أنفسهم، وذلك ‏الظلم الذي هم فيه سادرون. ولكنها لم تكن إلا‎ ‎ومضة واحدة أعقبها الظلام، وإلا حفقة واحدة ‏عادت بعدها قلوبهم إلى الخمود‎:

ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ‎

وحقا كانت الأولى رجعة إلى النفوس، وكانت الثانية نكسة على الرؤوس؛ كما‎ ‎يقول التعبير ‏القرآني المصور العجيب.. كانت الاولى حركة في النفس للنظر والتدبر‎. ‎أما الثانية فكانت ‏انقلابا على الرأس فلا عقل ولا تفكير. وإلا فإن قولهم هذا الاخير‎ ‎هو الحجة عليهم. وأية حجة ‏لإبراهيم أقوى من أن هؤلاء لا ينطقون؟‏‎

ومن ثم‎ ‎يجيبهم بعنف وضيق على غير عادته وهو الصبور الحليم. لأن السخف هنا يجاوز صبر‎ ‎الحليم‎:

قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ‎ ‎شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ‎ ‎اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ‎


وهي قولة يظهر فيها ضيق الصدرن وغيظ‎ ‎النفس، والعجب من السخف الذي يتجاوز كل ‏مألوف‎.

عند لك أخذتهم لعزة بالإثم‎ ‎كما تأخذ الطغاة دائما حين يفقدون الحجة ويعوزهم الدليل، ‏فيلجأون إلى القوة الغاشمة‎ ‎والعذاب الغليظ‎:

قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ‎ ‎فَاعِلِينَ‎

أجمل الله تعالى في سورة (الأنبياء) هذه المشاهد. قال‎ ‎تعالى‎:

وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه‎ ‎عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ ‏الَّتِي‎ ‎أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ (53‏‎) ‎قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ‏ضَلَالٍ مُّبِينٍ (54) قَالُوا‎ ‎أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَّبُّكُمْ‎ ‎رَبُّ السَّمَاوَاتِ ‏وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ‎ ‎الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن ‏تُوَلُّوا‎ ‎مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ‎ ‎إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا ‏بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ‎ ‎الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ‎ ‎إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ ‏عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ‎ ‎يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ‎ (62) ‎قَالَ بَلْ ‏فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ‎ (63) ‎فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ ‏الظَّالِمُونَ (64‏‎) ‎ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ (65‏‎) ‎قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن ‏دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا‎ ‎يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا‎ ‎تَعْقِلُونَ ‏‏(67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ‎ ‎فَاعِلِينَ


وفعلا.. بدأ الاستعداد لإحراق إبراهيم. انتشر النبأ في المملكة كلها. وجاء‎ ‎الناس من القرى ‏والجبال والمدن ليشهدوا عقاب الذي تجرأ على الآلهة وحطمها واعترف‎ ‎بذلك طيبر من ‏الكهنة. وحفروا حفرة عظيمة ملئوها بالحطب والخشب والأشجار. وأشعلوا‎ ‎فيها النار. ‏وأحضروا المنجنيق وهو آلة جبارة ليقذفوا إبراهيم فيها فيسقط في حفرة‏‎ ‎النار.. ووضعوا ‏إبراهيم بعد أن قيدوا يديه وقدميه في المنجنيق. واشتعلت النار في‎ ‎الحفرة وتصاعد اللهب ‏إلى السماء. وكان الناس يقفون بعيدا عن الحفرة من فرط الحرارة‎ ‎اللاهبة. وأصدر كبير الكهنة ‏أمره بإطلاق إبراهيم في النار‎.

جاء جبريل عليه‎ ‎السلام ووقف عند رأس إبراهيم وسأله: يا إبراهيم.. ألك حاجة؟‎

قال إبراهيم‎: ‎أما إليك فلا‎.

انطلق المنجنيق ملقيا إبراهيم في حفرة النار. كانت النار‎ ‎موجودة في مكانها، ولكنها لم تكن ‏تمارس وظيفتها في الإحراق. فقد أصدر الله جل جلاله‎ ‎إلى النار أمرا. قال تعالى‎:

قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا‎ ‎عَلَى إِبْرَاهِيمَ‎

أطاعت النار فكانت (بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى‎ ‎إِبْرَاهِيمَ). أحرقت قيوده فقط. وجلس إبراهيم وسطها ‏كأنه يجلس وسط حديقة. كان يسبح‎ ‎بحمد ربه ويمجده. لم يكن في قلبه مكان خال يمكن أن ‏يمتلئ بالخوف أو الرهبة أو‎ ‎الجزع. كان القلب مليئا بالحب وحده. ومات الخوف. وتلاشت ‏الرهبة. واستحالت النار إلى‎ ‎سلام بارد يلطف عنه حرارة الجو‎.

جلس الدهماء والكبار والكهنة يرقبون النار‎ ‎من بعيد. كانت حرارتها تدفع في وجوههم صهدا ‏حارقا تكاد تزهق أرواحهم. وظلت النار‎ ‎تشتعل فترة طويلة حتى ظن الكافرون أنها لن تنطفئ ‏أبدا. فلما انطفأت فوجئوا بإبراهيم‎ ‎يخرج من الحفرة سليما كما دخل. وجوههم مسودة من ‏دخان الحريق، ووجهه يتلألأ بالنور‎ ‎والجلال. ثيابهم احترق نصفها بسبب ما تساقط عليها من ‏الأخشاب الملتهبة، وثيابه كما‎ ‎هي لم تحترق. عليهم أثر الدخان والحريق، وليس عليه أي اثر ‏للدخان أو‎ ‎الحريق‎.

خرج إبراهيم من النار كما لو كان يخرج من حديقة. وتصاعدت صيحات‎ ‎الدهشة الكافرة. ‏خسروا جولتهم خسارة مريرة وساخرة‎.

وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا‎ ‎فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ‎

لا يحدثنا القرآن الكريم عن عمر إبراهيم‎ ‎حين حطم أصنام قومه، لا يحدثنا عن السن التي ‏كلف فيها بالدعوة إلى الله‎.

ويبدو من استقراء النصوص القديمة أن إبراهيم كان شابا صغيرا حين فعل ذلك،‎ ‎بدليل قول ‏قومه عنه‎.

سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ‎ ‎إِبْرَاهِيمُ‎

وكلمة الفتى تطلق على السن التي تسبق العشرين‎.


ويحدثنا القديس برنابا في إنجيله إن إبراهيم حطم الأصنام قبل أن يكلفه الله‎ ‎تعالى بالدعوة. ‏يقول برنابا في الفصل التاسع والعشرين‎:

إن إبراهيم سمع صوتا‎ ‎يناديه. سأل إبراهيم: من يناديني؟‎

حينئذ سمع قائلا يقول: "أنا ملاك الله‎ ‎جبريل‎".

فارتاع إبراهيم ولكن الملاك سكن روعه قائلا: لا تخف يا إبراهيم‎ ‎لأنك خليل الله، فإنك لما ‏حطمت آلهة الناس تحطيما اصطفاك إله الملائكة والأنبياء‎ ‎حتى إنك كتبت في سفر الحياة‎.

وتمضي كلمات برنابا فيقول: إن إبراهيم تساءل‎ ‎ماذا يفعل ليعبد إله الملائكة والأنبياء؟ وأجابه ‏جبريل أن يذهب لهذا الينبوع ويغتسل‎ ‎ويصعد الجبل ليكلمه الله تعالى‎.

وارتقى إبراهيم الجبل وجثا على ركبتيه‎ ‎وناداه الله تعالى.. أجاب إبراهيم: من يناديني؟‎

قال الله تعالى: أنا ألهك يا‎ ‎إبراهيم‎.

وارتاع إبراهيم وسجد على الأرض معفرا وجهه، وهو يقول: كيف يصغي‎ ‎عبدك إليك يا رب ‏وهو تراب ورماد؟ هنالك يأمره الله تعالى أن ينهض لأنه اصطفاه عبدا‎ ‎له، وباركه هو ومن ‏يتبعه‎.

هذه الرواية تحدد زمن اصطفاء إبراهيم وتكليفه‎ ‎بالنبوة بعد تحطيمه لعبادة الأصنام والكواكب. ‏ولعل هذه اللحظات المضيئة التي تجلى‎ ‎فيها الحق تبارك وتعالى على عبده إبراهيم هي ‏التي تحدث عنها القرآن الكريم في قوله‎ ‎تعالى في سورة (البقرة‎):

إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ‎ ‎لِرَبِّ الْعَالَمِينَ‎

وعلى أية حال، فان زمن اصطفاء الله تعالى لإبراهيم‎ ‎غير محدد في القرآن. وبالتالي فنحن لا ‏نستطيع أن نقطع فيه بجواب نهائي. كل ما‎ ‎نستطيع أن نقطع فيه برأي، أن إبراهيم أقام ‏الحجة على عبدة التماثيل بشكل قاطع، كما‎ ‎أقامها على عبدة النجوم والكواكب من قبل ‏بشكل حاسم، ولم يبق إلا أن تقام الحجة على‎ ‎الملوك المتألهين وعبادهم.. وبذلك تقوم ‏الحجة على جميع الكافرين‎.

لنقرأ معا‎ ‎تفاصيل جولته الثالثة مع عبدة الملوك‎.

واجه إبراهيم ملِكا يعتقد أنه إله‎. ‎يحكي لنا الله تعالى في سورة (البقرة) فيقول‎:

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي‎ ‎حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ‎ ‎إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي ‏وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ‏‎ ‎قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ‎ ‎بِهَا مِنَ ‏الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ‎ ‎الظَّالِمِينَ‎

تجاوز الله تعالى اسم الملك لانعدام أهميته، لكن روي أن‎ ‎الملك المعاصر لإبراهيم كان يلقب ‏‏(بالنمرود) وهو ملك الآراميين بالعراق. كما تجاوز‎ ‎حقيقة مشاعره، كما تجاوز الحوار الطويل ‏الذي دار بين إبراهيم وبينه‎.

كان‎ ‎الملك مصابا بكبرياء الملك ومرض الغرور، وكان استسلام الناس له يزيد من إحساسه‎ ‎بالكبرياء والغرور. استمع إبراهيم إلى الملك وأدرك كل شيء. وقال إبراهيم بهدوء‎: ‎رَبِّيَ الَّذِي ‏يُحْيِـي وَيُمِيتُ‎

قال الملك: أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ‎

لم يتساءل إبراهيم كيف يحيي الملك ويميت.. كان يعرف أنه كاذب‎.

عاد‎ ‎الملك يقول: أستطيع أن احضر رجلا يسير في الشارع واقتله، وأستطيع أن أعفو عن ‏محكوم‎ ‎عليه بالإعدام وأنجيه من الموت.. وبذلك أكون قادرا على الحياة والموت‎.

ابتسم إبراهيم لسذاجة ما يقوله الملك.. وأحس بالحزن في نفسه. غير أنه أراد‎ ‎أن يثبت ‏للملك أنه يتوهم في نفسه القدرة وهو في الحقيقة ليس قادرا‎.

قال‎ ‎إبراهيم: فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ‏‎ ‎الْمَغْرِبِ‎

استمع الملك إلى تحدي إبراهيم صامتا.. فلما انتهى كلام النبي‎ ‎بهت الملك. أحس بالعجز ‏ولم يستطع أن يجيب. لقد أثبت له إبراهيم أنه كاذب.. قال له‎ ‎إن الله يأتي بالشمس من ‏المشرق، فهل يستطيع هو أن يأتي بها من المغرب.. إن للكون‎ ‎نظما وقوانين يمشي طبقا ‏لها.. قوانين خلقها الله ولا يستطيع أي مخلوق أن يتحكم‎ ‎فيها. ولو كان الملك صادقا في ‏ادعائه الألوهية فليغير نظام الكون وقوانينه.. ساعتها‎ ‎أحس الملك بالعجز.. وأخرسه التحدي. ‏ولم يعرف ماذا يقول، ولا كيف يتصرف. انصرف‎ ‎إبراهيم من قصر الملك، بعد أن بهت الذي ‏كفر‎.


انطلقت شهرة إبراهيم في المملكة كلها. تحدث الناس عن معجزته ونجاته من النار،‎ ‎وتحدث ‏الناس عن موقفه مع الملك وكيف أخرس الملك فلم يعرف ماذا يقول. واستمر إبراهيم‎ ‎في ‏دعوته لله تعالى.. بذل جهده ليهدي قومه، حاول إقناعهم بكل الوسائل، ورغم حبه لهم‎ ‎وحرصه عليهم فقد غضب قومه وهجروه، ولم يؤمن معه من قومه سوى امرأة ورجل واحد‎.. ‎امرأة تسمى سارة، وقد صارت فيما بعد زوجته، ورجل هو لوط، وقد صار نبيا فيما بعد‎. ‎وحين ‏أدرك إبراهيم أن أحدا لن يؤمن بدعوته.. قرر الهجرة. قبل أن يهاجر، دعا والده‎ ‎للإيمان، ثم ‏تبين لإبراهيم أن والده عدو لله، وانه لا ينوي الإيمان، فتبرأ منه وقطع‏‎ ‎علاقته به‎.

للمرة الثانية في قصص الأنبياء نصادف هذه المفاجأة.. في قصة نوح‎ ‎كان الأب نبيا والابن ‏كافرا، وفي قصة إبراهيم كان الأب كافرا والابن نبيا، وفي‎ ‎القصتين نرى المؤمن يعلن براءته ‏من عدو الله رغم كونه ابنه أو والده، وكأن الله‏‎ ‎يفهمنا من خلال القصة أن العلاقة الوحيدة ‏التي ينبغي أن تقوم عليها الروابط بين‎ ‎الناس، هي علاقة الإيمان لا علاقة الميلاد والدم. قال ‏تعالى في سورة‎ (‎التوبة‎):

وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن‎ ‎مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ‎ ‎تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ ‏إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ‎

خرج إبراهيم عليه‎ ‎السلام من بلده وبدأ هجرته. سافر إلى مدينة تدعى أور.. ومدينة تسمى ‏حاران.. ثم رحل‎ ‎إلى فلسطين ومعه زوجته، المرأة الوحيدة التي آمنت به.. وصحب معه ‏لوطا.. الرجل‎ ‎الوحيد الذي آمن به‎.

قال تعالى في سورة (العنكبوت‎):

فَآمَنَ لَهُ‎ ‎لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‎

بعد فلسطين ذهب إبراهيم إلى مصر.. وطوال هذا الوقت وخلال هذه الرحلات كلها،‏‎ ‎كان ‏يدعو الناس إلى عبادة الله، ويحارب في سبيله، ويخدم الضعفاء والفقراء، ويعدل‎ ‎بين الناس، ‏ويهديهم إلى الحقيقة والحق‎.

وكانت زوجته سارة لا تلد.. وكان ملك‎ ‎مصر قد أهداها سيدة مصرية لتكون في خدمتها، وكان ‏إبراهيم قد صار شيخا، وابيض شعره‎ ‎من خلال عمر أبيض أنفقه في الدعوة إلى الله، وفكرت ‏سارة إنها وإبراهيم وحيدان، وهي‎ ‎لا تنجب أولادا، ماذا لو قدمت له السيدة المصرية لتكون ‏زوجة لزوجها؟ وكان اسم‎ ‎السعودية "هاجر". وهكذا زوجت سارة سيدنا إبراهيم من هاجر، ‏وولدت هاجر ابنها الأول‎ ‎فأطلق والده عليه اسم "إسماعيل‎".

وتأتي بعض الروايات لتبين قصة إبراهيم عليه‎ ‎السلام وزوجته سارة وموقفهما مع ملك مصر. ‏فتقول‎:

وصلت الأخبار لملك مصر‎ ‎بوصول رجل لمصر معه أمرأة هي أجمل نساء الأرض. فطمع بها. ‏وأرسل جنوده ليأتونه بهذه‎ ‎المرأة. وأمرهم بأن يسألوا عن الرجل الذي معها، فإن كان زوجها ‏فليقتلوه. فجاء الوحي‎ ‎لإبراهيم عليه السلام بذلك. فقال إبراهيم -عليه السلام- لسارة إن ‏سألوك عني فأنت‎ ‎أختي -أي أخته في الله-، وقال لها ما على هذه الأرض مؤمن غيري ‏وغيرك -فكل أهل مصر‎ ‎كفرة، ليس فيها موحد لله عز وجل. فجاء الجنود وسألوا إبراهيم: ما ‏تكون هذه منك؟‎ ‎قال: أختي‎.

لنقف هنا قليلا.. قال إبراهيم حينما قال لقومه (إني سقيم) و (بل‎ ‎فعله كبيرهم هذا ‏فاسألوه) و (هي أختي). كلها كلمات تحتمل التاويل. لكن مع هذا كان‎ ‎إبراهيم عليه السلام ‏خائفا جدا من حساه على هذه الكلمات يوم القيام. فعندما يذهب‎ ‎البشر له يوقم القيامة ‏ليدعوا الله أن يبدأ الحساب يقول لهم لا إني كذب على ربي‎ ‎ثلاث مرات‎.

ونجد أن البشر الآن يكذبون أمام الناس من غير استحياء ولا خوف من‎ ‎خالقهم‎.

لما عرفت ساة أن ملك مصر فاجر ويريدها له أخذت تدعوا الله قائلة‎: ‎اللهم إن كنت تعلم أني ‏آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلى على زوجي فلا تسلط علي‎ ‎الكافر‎.

فلما أدخلوها عليه. مد يده إليها ليلمسها فشلّ وتجمدت يده في‎ ‎مكانها، فبدأ بالصراخ لأنه لم ‏يعد يستطيع تحريكها، وجاء أعوانه لإنقاذهم لكنهم لم‎ ‎يستطيعوا فعل شيء. فخافت سارة ‏على نفسها أن يقتلوها بسبب ما فعلته بالملك. فقالت‎: ‎يا رب اتركه لا يقتلوني به. فاستجاب ‏الله لدعائها‎.

لكن الملك لم يتب وظن أن‎ ‎ما حدث كان أمرا عابرا وذهب. فهجم عليها مرة أخرى. فشلّ مرة ‏ثانية. فقال: فكيني‎. ‎فدعت الله تعالى ففك. فمد يده ثالثة فشلّ. فقال: فكيني وأطلقك ‏وأكرمك. فدعت الله‎ ‎سبحانه وتعالى ففك. فخرص الملك بأعوانه: أبعدوها عني فإنمك لم ‏تأتوني بإنسان بل‎ ‎أتيتموني بشيطان‎.

فأطلقها وأعطاها شيئا من الذهب، كما أعطاها أمة اسمها‎ "‎هاجر‎".

هذه الرواية مشهورة عن دخول إبراهيم -عليه السلام- لمصر‏‎

كان‎ ‎إبراهيم شيخا حين ولدت له هاجر أول أبنائه إسماعيل‎.

عاش إبراهيم في الأرض‎ ‎قلبا يعبد الله ويسبح بحمده ويقدس به‎.

ولسنا نعرف أبعاد المسافات التي‎ ‎قطعها إبراهيم في رحلته إلى الله.. كان دائما هو ‏المسافر إلى الله.. سواء استقر به‎ ‎المقام في بيته أو حملته خطواته سائحا في الأرض. ‏مسافر إلى الله يعلم إنها أيام على‎ ‎الأرض وبعدها يجيء الموت ثم ينفخ في الصور وتقوم ‏قيامة الأموات ويقع‎ ‎البعث‎

ملأ اليوم الآخر قلب إبراهيم بالسلام والحب واليقين. وأراد أن يرى‎ ‎يوما كيف يحيي الله عز ‏وجل الموتى .. حكى الله هذا الموقف في سورة (البقرة).. قال‎ ‎تعالى‎:

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى‎ ‎قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي‎

لا‎ ‎تكون هذه الرغبة في طمأنينة القلب مع الإيمان إلا درجة من درجات الحب لله‎.

قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ‎ ‎اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ‏‎ ‎سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‎

فعل إبراهيم ما أمره به‎ ‎الله. ذبح أربعة من الطير وفرق أجزاءها على الجبال.. ودعاها باسم ‏الله فنهض الريش‎ ‎يلحق بجناحه، وبحثت الصدور عن رؤوسها، وتطايرت أجزاء الطير مندفعة ‏نحو الالتحام،‎ ‎والتقت الضلوع بالقلوب، وسارعت الأجزاء الذبيحة للالتئام، ودبت الحياة في ‏الطير،‎ ‎وجاءت طائرة مسرعة ترمي بنفسها في أحضان إبراهيم. اعتقد بعض المفسرين إن ‏هذه‎ ‎التجربة كانت حب استطلاع من إبراهيم. واعتقد بعضهم أنه أراد أن يرى يد ذي الجلال‎ ‎الخالق وهي تعمل، فلم ير الأسلوب وإن رأى النتيجة. واعتقد بعض المفسرين أنه اكتفى‎ ‎بما قاله له الله ولم يذبح الطير. ونعتقد أن هذه التجربة كانت درجة من درجات الحب‎ ‎قطعها ‏المسافر إلى الله.. إبراهيم‎.


استيقظ إبراهيم يوما فأمر زوجته هاجر أن تحمل ابنها وتستعد لرحلة طويلة. وبعد‎ ‎أيام بدأت ‏رحلة إبراهيم مع زوجته هاجر ومعهما ابنهما إسماعيل. وكان الطفل رضيعا لم‎ ‎يفطم بعد. ‏وظل إبراهيم يسير وسط أرض مزروعة تأتي بعدها صحراء تجيء بعدها جبال.. حتى‎ ‎دخل ‏إلى صحراء الجزيرة العربية، وقصد إبراهيم واديا ليس فيه زرع ولا ثمر ولا شجر‎ ‎ولا طعام ولا ‏مياه ولا شراب. كان الوادي يخلو تماما من علامات الحياة. وصل إبراهيم‎ ‎إلى الوادي، وهبط ‏من فوق ظهر دابته. وأنزل زوجته وابنه وتركهما هناك، ترك معهما‎ ‎جرابا فيه بعض الطعام، ‏وقليلا من الماء لا يكفي يومين. ثم استدار وتركهما‎ ‎وسار‎.

أسرعت خلفه زوجته وهي تقول له: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا‎ ‎الوادي الذي ليس فيه ‏شيء؟‎

لم يرد عليها سيدنا إبراهيم.. ظل يسير.. عادت تقول‎ ‎له ما قالته وهو صامت.. أخيرا فهمت ‏أنه لا يتصرف هكذا من نفسه.. أدركت أن الله أمره‎ ‎بذلك وسألته: هل الله أمرك بهذا؟ قال ‏إبراهيم عليه السلام: نعم‎.

قالت زوجته‎ ‎المؤمنة العظيمة: لن نضيع ما دام الله معنا وهو الذي أمرك بهذا. وسار إبراهيم ‏حتى‎ ‎إذا أخفاه جبل عنهما وقف ورفع يديه الكريمتين إلى السماء وراح يدعو‎ ‎الله‎:

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي‎ ‎زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ‎

لم يكن بيت الله قد أعيد بناؤه بعد، لم‏‎ ‎تكن الكعبة قد بنيت، وكانت هناك حكمة عليا في هذه ‏التصرفات الغامضة، فقد كان‎ ‎إسماعيل الطفل الذي ترك مع أمه في هذا المكان، كان هذا ‏الطفل هو الذي سيصير مسؤولا‎ ‎مع والده عن بناء الكعبة فيما بعد.. وكانت حكمة الله تقضي ‏أن يمتد العمران إلى هذا‎ ‎الوادي، وأن يقام فيه بيت الله الذي نتجه جميعا إليه أثناء الصلاة‏‎ ‎بوجوهنا‎.

ترك إبراهيم زوجته وابنه الرضيع في الصحراء وعاد راجعا إلى كفاحه‎ ‎في دعوة الله.. أرضعت ‏أم إسماعيل ابنها وأحست بالعطش. كانت الشمس ملتهبة وساخنة‎ ‎وتثير الإحساس ‏بالعطش. بعد يومين انتهى الماء تماما، وجف لبن الأم.. وأحست هاجر‎ ‎وإسماعيل بالعطش.. ‏كان الطعام قد انتهى هو الآخر.. وبدا الموقف صعبا وحرجا‎ ‎للغاية‎.

بدأ إسماعيل يبكي من العطش.. وتركته أمه وانطلقت تبحث عن ماء.. راحت‎ ‎تمشي مسرعة ‏حتى وصلت إلى جبل اسمه "الصفا".. فصعدت إليه وراحت تبحث بهما عن بئر أو‎ ‎إنسان أو ‏قافلة.. لم يكن هناك شيء. ونزلت مسرعة من الصفا حتى إذا وصلت إلى الوادي‎ ‎راحت ‏تسعى سعي الإنسان المجهد حتى جاوزت الوادي ووصلت إلى جبل "المروة"، فصعدت إليه‎ ‎ونظرت لترى أحدا لكنها لم تر أحدا. وعادت الأم إلى طفلها فوجدته يبكي وقد اشتد‎ ‎عطشه.. ‏وأسرعت إلى الصفا فوقفت عليه، وهرولت إلى المروة فنظرت من فوقه.. وراحت تذهب‎ ‎وتجيء سبع مرات بين الجبلين الصغيرين.. سبع مرات وهي تذهب وتعود.. ولهذا يذهب‎ ‎الحجاج سبع مرات ويعودون بين الصفا والمروة إحياء لذكريات أمهم الأولى ونبيهم‎ ‎العظيم ‏إسماعيل. عادت هاجر بعد المرة السابعة وهي مجهدة متعبة تلهث.. وجلست بجوار‎ ‎ابنها ‏الذي كان صوته قد بح من البكاء والعطش‎.

وفي هذه اللحظة اليائسة‎ ‎أدركتها رحمة الله، وضرب إسماعيل بقدمه الأرض وهو يبكي ‏فانفجرت تحت قدمه بئر زمزم‎.. ‎وفار الماء من البئر.. أنقذت حياتا الطفل والأم.. راحت الأم ‏تغرف بيدها وهي تشكر‎ ‎الله.. وشربت وسقت طفلها وبدأت الحياة تدب في المنطقة.. صدق ‏ظنها حين قالت: لن نضيع‎ ‎ما دام الله معنا‎.

وبدأت بعض القوافل تستقر في المنطقة.. وجذب الماء الذي‎ ‎انفجر من بئر زمزم عديدا من ‏الناس.. وبدأ العمران يبسط أجنحته على‎ ‎المكان‎.




وكبر إسماعيل.. وتعلق به قلب إبراهيم.. جاءه العقب على كبر فأحبه.. وابتلى الله‎ ‎تعالى ‏إبراهيم بلاء مبينا بسبب هذا الحب. حكى الله تبارك وتعالى موقف ابتلاء‎ ‎إبراهيم في سورة ‏‏(الصافات).. قال عز وجل‎:

وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى‎ ‎رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ‎ ‎بِغُلَامٍ ‏حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ‎ ‎إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا ‏تَرَى قَالَ يَا‎ ‎أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ‎ (102) ‎فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ ‏لِلْجَبِينِ (103) َنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا‏‎ ‎إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي‎ ‎الْمُحْسِنِينَ (105) ‏إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ‎ ‎بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) ‏سَلَامٌ عَلَى‎ ‎إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا‎ ‎الْمُؤْمِنِينَ‎

انظر كيف يختبر الله عباده. تأمل أي نوع من أنواع الاختبار‎. ‎نحن أمام نبي قلبه أرحم قلب ‏في الأرض. اتسع قلبه لحب الله وحب من خلق. جاءه ابن على‎ ‎كبر.. وقد طعن هو في السن ‏ولا أمل هناك في أن ينجب. ثم ها هو ذا يستسلم للنوم فيرى‎ ‎في المنام أنه يذبح ابنه وبكره ‏ووحيده الذي ليس له غيره‎.

أي نوع من الصراع‎ ‎نشب في نفسه. يخطئ من يظن أن صراعا لم ينشأ
avatar
Abdel Mohsen

عدد المساهمات : 500
نقاط : 635
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 03/01/2010
الموقع : في حي الروضه

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: قصة ابراهيم عليه السلام

مُساهمة من طرف ŽỲỖǾỖĐ في الأحد مارس 07, 2010 6:18 am

مشكور
avatar
ŽỲỖǾỖĐ

عدد المساهمات : 500
نقاط : 699
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 31/12/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: قصة ابراهيم عليه السلام

مُساهمة من طرف Abdel Mohsen في الإثنين مارس 08, 2010 9:40 am

العفووو
avatar
Abdel Mohsen

عدد المساهمات : 500
نقاط : 635
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 03/01/2010
الموقع : في حي الروضه

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى